مجموعة مؤلفين
32
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال
دائر بين الظفر بالمطلوب وبين مخافة فوته ، وهي محركة للسعي والتمادي عليه ، فينبعث من ذلك جملة الوظائف التي هي سنة العبد ، والرجاء والطمع مدرجتان للعبودية ، ومواهب من مواهب الربوبية ، ويحتمل أن تكون الفائدة أن اللّه تبارك وتعالى جعل من جميل لطفه وإحسانه ، ومنائح عطفه وامتنانه لخواص عباده ، ما سكن به طباعهم البشرية أن وضع لهم تلك الخوارق ؛ كرامة تتآنس بها نفوسهم ، وعلامة ترتاح إليها قلوبهم ؛ لكي يخفف عنهم بذلك ثقل العبادة ، كما ورد في قصة مريم ابنة عمران في قوله تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [ مريم : 25 ] ، يتسرى بذلك ما أظهرته من شدة حزنها ، هذا مع علو شأنها ، قاله المفسرون ، ثم جعلها بين الرجاء والخوف المثمرين لوظيفتي الشكر والصبر عند التقلب في أطوار السراء والضراء والشدة والرخاء ، ومن وراء ذلك علم اللّه تعالى فيهم ، وعلى كل تقدير لا يجوز اعتقاد خلوها من فائدة ؛ إذ هي من الأسباب الداعية إلى التمسك بالطاعات ، وهي تمحيص للولي ، وتمييز للغوي ، وتحقيق لمجوزات أحكام العقول ، حتى تشهد العقول بصحتها لأهل الصلاح بصدق الشريعة ، ويتحقق ذوو الألباب بذلك علو درجاتهم الرفيعة ؛ لأنها من أوضح الشواهد على صدق من وفق لذلك ، وأظهر العلامات على عصمة اللّه تعالى من أولئك في قوله تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 179 ] . ويحتمل أن يكون هنالك فوائد لا نعلمها ، وأسرار غامضة لا نفهمها ، قد أطلع اللّه تعالى عليه أولياءه ، وكشف على حقيقتها أصفياؤه ، فستروها عن غير أهلها ، وكتموها عند محلها ، وكتمانها من شروط صحتها عند غالب الأولياء ، من قال بجوازها من العلماء الأتقياء ، وذلك من سننهم المعروفة وأحوالهم الموصوفة . ثم ينتشئ لنا غير هذا الأصل أربعة فروع :